محمد بن جرير الطبري
493
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وذكر عن محمد بن الحسن ان يحيى بن محمد البحراني كان مقيما بنهر معقل قبل موافاه أبى احمد موضع الخبيث ، فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس ، فكره ذلك ، وخاف ان يوافيه جيش السلطان ، وأصحابه متفرقون ، فالح عليه يحيى حتى اذن له ، فخرج واتبعه أكثر أهل عسكر الخبيث . وكان علي بن ابان مقيما بجبى في جمع كثير من الزنج ، والبصرة قد صارت مغنما لأهل عسكر الخبيث ، فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها ، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه الا القليل ، فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو احمد في الجيش الذي كان معه فيه مفلح ، فوافى جيش عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله ، فلما انتهى إلى نهر معقل هرب من كان هناك من جيش الخبيث ، فلحقوا به مرعوبين ، فراع ذلك الخبيث ، فدعا برئيسين من رؤساء جيشه الذي كان هناك ، فسألهما عن السبب الذي له تركا موضعهما ، فأخبراه بما عاينا من عظم امر الجيش الوارد ، وكثره عدد أهله واحكام عدتهم ، وان الذي عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العدة التي كانا فيها ، فسألهما : هل علما من يقود الجيش ، فقالا : لا قد اجتهدنا في علم ذلك ، فلم نجد من يصدقنا عنه فوجه الخبيث طلائعه في سميريات لتعرف الخبر ، فرجعت رسله اليه بتعظيم امر الجيش وتفخيمه ، ولم يقف أحد منهم على من يقوده ويرأسه ، فزاد ذلك في جزعه وارتياعه ، فبادر بالإرسال إلى علي بن ابان ، يعلمه خبر الجيش الوارد ، ويأمره بالمصير اليه فيمن معه ، ووافى الجيش ، فأناخ بإزائه ، فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء ، خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيا ، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومن هو مقيم بإزائه من أهل حربه ، وقد كانت السماء مطرت في ذلك اليوم مطرا خفيفا والأرض ثريه تزل عنها الاقدام ، فطوف ساعة من أول النهار ، ثم رجع فدعا بدواه وقرطاس لينفذ كتابا إلى علي بن ابان ، يعلمه ما قد اطله من الجيش